محمد سعيد رمضان البوطي

368

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

وعندئذ تسوروا عليه الدار ، وسقطوا عليه من أعلى المنزل ، وأقبلوا عليه تتناوشه سيوفهم حتى قتلوه . . وبلغ الخبر عليا رضي اللّه عنه فأقبل مغضبا ، وقال لابنيه : كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب ؟ ورفع يده فلطم الحسن وضرب صدر الحسين وشتم محمد بن طلحة وعبد اللّه بن الزبير . وهكذا ، فقد كان مقتل عثمان بابا لسلسلة من الفتن امتدت حلقاتها إلى غير نهاية . مبايعة عليّ والبحث عن قتلة عثمان : خرج عليّ رضي اللّه عنه من دار عثمان مغضبا لما قد وقع ، وجاءه الناس يهرعون إليه وقالوا له : لابدّ لنا من أمير ، فمدّ إلينا يدك نبايعك . فقال لهم عليّ : ليس ذلك إليكم ، وإنما ذلك إلى أهل بدر ، فمن رضي به أهل بدر فهو خليفة . فلم يبق أحد من أهل بدر إلّا أتى عليا ، فقالوا له : ما نرى أحدا أحقّ بها منك ، مدّ يدك نبايعك ، فبايعوه . وما أن استتب الأمر لعليّ وتمت مبايعته ، حتى هرب مروان وولده . وجاء عليّ إلى امرأة عثمان يسألها عن قاتلي عثمان ، فقالت : لا أدري ، دخل عليه رجلان لا أعرفهما ومعهما محمد بن أبي بكر ، فدعا عليّ محمدا فسأله عما ذكرته امرأة عثمان ، فقال محمد : لم تكذب قد واللّه دخلت عليه وأنا أريد قتله ، فذكّرني أبي فقمت عنه ، وأنا تائب إلى اللّه تعالى ، واللّه ما قتلته ولا أمسكته . فقالت امرأته : صدق ، ولكنه أدخلهما . وأخرج ابن عساكر عن كنانة مولى صفية وغيره ، قالوا : قتل عثمان رجل من أهل مصر ، أزرق أشقر . وأخرج ابن عساكر أيضا عن أبي ثور الفهمي ، قال : دخلت على عثمان وهو محاصر ، فقال : لقد اختبأت عند ربي عشرا ، إني لرابع أربعة في الإسلام ، وجهزت جيش العسرة ، وأنكحني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ابنته ، ثم توفيت فأنكحني ابنته الأخرى ، وما تغنيت ، ولا تمنيت ، ولا وضعت يميني على فرجي منذ بايعت بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وما مرت بي جمعة منذ أسلمت إلا وأنا أعتق فيها رقبة ، إلا أن يكون عندي شيء فأعتقها بعد ذلك ، ولا زنيت في جاهلية ولا إسلام قط ، ولا سرقت في جاهلية ولا إسلام قط ، ولقد جمعت القرآن على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . والصحيح أن قتل عثمان كان في أوسط أيام التشريق من عام خمسة وثلاثين . العبر والعظات : أولا - من أهم الفضائل والمزايا التي يتسم بها عهد عثمان ، كثرة الفتوحات واتساعها في هذا العهد ، فقد فتحت خراسان كلها ، وفتحت أفريقيا ، وامتدّ الفتح إلى الأندلس . هذا إلى جانب أعمال جليلة أخرى ، قام بها عثمان ، كجمعه الناس على الرسم القرآني الموثق ، بعد أن سرت العجمة